عبد الملك الجويني
247
الشامل في أصول الدين
وحكى القاضي ، رضي اللّه عنه ، من مذهب شيخنا : أن المجاورة تغاير المماسة . وإنما يراد بالمجاورة وقوع جوهرين في حيزين ليس بينهما حيز ثالث . فهذا هو المعنى بالمجاورة . ثم إذا تحقق ذلك قام بكل جوهر مماسة تغاير مجاورته . وقال على طرد ذلك : إذا جاور جوهر ستة جواهر ، فلا تحله إلا مجاورة واحدة وتحله ست مماسات . فتدبروا ذلك وأحيطوا علما بالفصل بين المجاورة والمماسة على أصل شيخنا . ثم قال القاضي رضي اللّه عنه : إذا أثبتنا المماسة كما صار إليه شيخنا . فلو قال قائل : هل المماسات أضداد تعاقبها أم لا أضداد لها ؟ فسبيل الجواب عن ذلك على ثلاثة أوجه ذكر القاضي جميعها : أحدها أن المماسات لا أضداد لها ، والمباينة تضاد المجاورة ولا تضاد المماسة . فلو قال قائل : من قضية أصلكم أن العرض الذي له ضد لا يخلو الجوهر عنه أو عن ضده . والعرض الذي لا ضد له لا يخلو الجوهر عنه أصلا . فإذا قلتم إن المماسات لا أضداد لها ، فينبغي أن لا يجوز خلو الجواهر عنها . فيقال لهذا السائل : لو قلنا : لا يخلو الجوهر الفرد عن ست من المماسات - وإن تفردت ، غير أن تلك الأعراض لا تسمى مماسات إلا عند تقدير مجاورة ست من الجواهر - لم يكن ذلك بعيدا فرجع إطلاق المماسة إلى التسمية . وهذا كما أن الجوهر إذا استقر في حيزه ، فالكون الذي قام به لا يسمى محاذاة عند تقدير انفراد الجوهر . فإذا حاذاه جوهر آخر فيسمى مثل ذلك الكون الأول محاذاة إن كان . ولولا الجوهر الثاني لما سمى ذلك الكون محاذ له ، وكذلك يسمى مثل ذلك الكون قربا إذا قرب منه جوهر ، ويسمى بعدا إذا بعد منه جوهر . فلا يبعد على قياس هذه المسائل أن نقدر في الجوهر الفرد ستة من الأعراض ولا نسميها مماسات إلا عند انضمام ست من الجواهر ، فهذا وجه في الجواب . والوجه الثاني أن نقول : المماسات ، وإن لم تكن لها أضداد ، فيجوز أن نشرط بثبوتها انضمام جواهر وتعرّي الجوهر عنها من غير انضمام ، كما يعري الجوهر عن البقاء في حالة الحدوث لمعنى يحيل ذلك ويختص بالبقاء في الحالة الثانية . وإنما يلتزم أهل الحق استحالة عرو الجوهر عن عرض لا ضد له ، إذا قدر ذلك في وقت جواز قبوله ، فيقال : فإذا جاز قبول الجوهر لعرض لا ضد له لم يعر عنه ، وقد ثبتت حالة يستحيل فيها قبول ذلك العرض ، كما استحال بما مهدناه في الأصل . والوجه الثالث في الجواب ، وهو أسد الأجوبة : أن المماسة تنتفي بالمباينة ، ثم تتجه في ذلك وجهان : أحدهما : أن المباينة تضاد المجاورة والمماسة جميعا ، كما يضاد الموت